الغفوة الثقافية في الاهواز، قيلولة أم رقاد؟
بقلم : الهام لطيفي

المثقف أول من يقاوم وآخر من ينکسر!
يستيقظ الحديث عن الأهواز ومعاناتها بکل مثقف ومهتم بثقافة المجتمع الأهوازي عندما يری هذه الغفوة لدی الطبقة المتعلمة من المجتمع سواءً کانت اجتماعية أو ثقافية والتي قد بدأت منذ فترة وذلک بعد ما حدثت الحرکة الثقافية - الإصلاحية في الأهواز منذ فترة و سعت کثيرا الی التحرک في شريان المجتمع الأهوازي للتوعية الثقافية و الاصلاح الاجتماعي ؛ فهذا الفتور لدي هذه الطبقة من المجتمع التي تری نفسها معنية بتوعية المجتمع احيانا قد تذهل الانسان حتی يصمت متسائلا:

هل يا تری خمدت کل ذلک الحرکات الثقافية ولم تبق الا ثمالة حبر يتستر خلف السطور؟....

وقد يشهد کل مطلع هذا الواقع المرير بصورة واضحة في طبقات المجتمع عند التجول في الاهواز و شوارعها و رؤية المستوی المعيشي للافراد المتواضع جدا والامية المتاکلة في نسيجها الاجتماعي ؛ کما يشعر بالالم المضاعف عندما يری المستوی الثقافي السائد علی المجتمع الاهوازي من حيث لا يری اي فرق شاسع في البنية الفکرية عند افراد المجتمع من عامة و مثقفين حيث کان من موروث هذا الرکود الثقافي عدم الديناميکية و التنمية الفکرية عند الصنفين حتی يصيح هذا الالم في الصمت الاعلامي الوسيلة الاعلامية التي باتت تحتضر منذ زمن طويل في هذه البيئة التي مازالت ضحية الصراع ووقعت بين سندان الفئة التي طلقت علی نفسها صفة المثقفين ومطرقة بعض الموروث السلبي التي ورثه مجتمعنا من الماضي وفي هذه المعادلة نری ثلاثة محاور علی الساحة الثقافية الاهوازية

الاول و هو التخلف الاجتماعي الذي بني علی عادات تقاليد سلبية و يتطلب من الجميع مجابهته .

الثاني وهو المجتمع نفسه الذي يبحث عن حلول من اجل الخروج من هذا المأزق الثقافي.

الثالث الفئة التي أطلقت علی نفسها طبقة المثقفين وتعاملت مع هذا العنصر الحساس الذي له دور في تکوين مجتمع سليم وشريان حياة ثقافي لدي جميع المجتمعات العالم کهواية من هواياتهم يتبنونها حيث ما شاؤوا ويترکونها حيث ما أرادوا .

و اذا راينا هذه المحاور الثلاث من خلال معادلة ذات ثلاثة جذور مثل ما يطلق عليها علماء الرياضيات اذن ماهي الاجوبة لهذه الجذور الثلاثة؟ و أي جذر يعتبر جزءا من الحل و ايهما الجزء من المشکلة؟
و هنا يحثنا التفكير الی التطرق والبحث عن اسباب هذا الرکود والحيرة امام هذه الظاهرة التي باتت تاکل بهيکل مجتمعنا النحيف دون اي رحمة ؛ و برايي المتواضع ان اسباب هذه الغفوة تکمن في العامل الثالث ولذا تحليل هذا العامل هو الاهم من حيث معرفة الأسباب المتعلقة به و النابعة من ذلک والسعي لمعالجتها وهي:

اتخاذ الناشط الاهوازي مواقف ثقافية حادة : وضع الثقافة العربية الاهوازية مقابل الثقافة الفارسية ومن ثم ذلک ايجاد حساسيات سياسية و ثقافية في المجتمع لا تؤدي ال، الی ترک وفقد جميع الياتنا للتحرک الثقافي ومن ثم خلق حالة الرفض في المجتمع واصلاح مجتمعنا التقليدي الذي يفتقر الی الکثير من التحرک الثقافي وحفظ الديناميکية في المرحلة الراهنة؛ فمع الاسف أن النخبة الاهوازية في الاونة الاخيرة اتخذت موقفا حادا في هذا المجال وکأن کل نشاط ثقافي يتعلق بعدم تنفيذ مادة 15 في القانون الاساسي وهذا الامر هو اخر المطاف لوقف جميع نشاطاتنا الثقافية وترک مثقفوا الاهواز المجتمع المحتاج الی الکثير من النشاط والتوعية و الاصلاح البنيوي الی مادة 15 من القانون الاساسي الايراني وهذا ما قد يکون ظلما فادحا في حق المجتمع المظلوم من قبل المثقفين.
فاريد ان اقول ان مجرد الدوران في حلقة ضيقة والزحف علی شعاع واحد و المقاومة اتجاه الثقافة الفارسية لا تنتهي بنا الا الی افتقاد جميع الاليات ومن ثم تضييق کلما يتسع للنشاط الثقافي و التحرک الثقافي لاصلاح مجتمعاتنا التقليدية و المترسخة في أم التخلف ، لا يقدمنا ولا ينفعنا بل هو السبب الرئيسي في هذا الرکود والغفوة الثقافية وعلی المثقف ان لا ينسي ان المثقف هو اول من يقاوم واخر من ينکسر!

فکل شعوب العالم تطمح ان تنشط في لغتها ولکن اذ لم تسمح ظروفهم لذلک ما ذا تفعل ؟ هل تتوقف تماما عن ذلک ؟ فلربما يرد علی احد ويقول ان الحکومة الايرانية لا تسمح بذلک ولکن اريد ان اتساءل:
ما هي علاقة اللغة بالتوعية الثقافية والسعي الی مکافحة الکوارث الاجتماعية و هل تخالف الحکومة الايرانية النخب في ايجاد منظمات غير حکومية لمکافحة الادمان؟ او ملاحقة المقيمين علی جرائم الشرف اوغيرها الی تخفيف حالة الامية و تنظيم العوائل؟
فالفکر والثقافة و رفع المستوی المعيشي و محو الامية قد لا يتعلق باللغة فنحن أمسکنا مادة واحدة من القانون الاساسي وترکنا جميع مواد الحياة الی اجل غير مسمی !

هروب النخبة المعنية بالأمر المتزايد من هذا الواقع المرير الی الخارج: تصور فقد آليات النشاط الثقافي عند النخب و الخلط بين أنواع النشاط قد خلق نوعا من الشعور والوهم عند المثقفين وهو ان قد اغلقت کل الابواب في وجوههم و قد کبلت ايديهم عن النشاط في معالجة الکثير من المعضلات الاجتماعية کالادمان ومحو الامية وتوعية المرأة بحقوقها و کيفية التعامل مع النزاعات القبلية وغير ذلک حيث اصبح لا طريق لهم الا اللجوء الی الخارج وبالطبع الخروج الی الخارج قد يربط مستقبل هذا النشاط بالنشاط السياسي وذلک لامور کاخذ اللجوء من حيث ان کل من يريد ان يحصل علی لجوء في احدى الدول الغربية يصبح سياسيا وبالطبع لا اعني هولاء الذين لم تبق لهم حيلة لانقاذ حياتهم الا الخروج)؛ و بالطبع عندما يخرج المثقف ويريد مواصلة نشاطه يتغير هذا النشاط شکلا ومضمونا شاء أم أبی حيث هولاء الافراد صنعوا مستقبلا زاهرا لنشاطهم الثقافي في الخارج و قد خرجوا ليکتبوا ويناضلوا و ينشطوا ولکن اريد أن اتساءل هل يعالج هذا النشاط الثقافي الکوارث الاجتماعية المتغلغلة في المجتمع الاهوازي ويضعها بعين الاعتبار؟
فکتابة مقال او مقالين او تعلم لغة اجنبية والنشاط بها علی المستوي الدولي لا تداوي جرحا من معاناة المجتمع من الامية فيبدو لي ذلک کأمل الجائع في الحلوی من خلف الجدار ومن هنا تبدا الحلقة الفارغة بين المثقف والمجتمع! فالهروب والخروج الی الخارج ومجرد الصياح والاستغاثة من العوامل الخارجية لا ينفع بل يضر ويشل النشاط الثقافي کما انه قد يبعدنا اميالا من قضاء هذه المهمة التي قد تقع علی عاتقنا وقد يدخلنا في متاهات لا صلة لها بمعالجة الکوارث الاجتماعية و هل يصل شئ ما من هذا العمل في انقاذ مجتمعنا؟

حصرا لا نشطة في النشاط السياسي البحت : بکل الاسف مثقفوا الاهواز خلطوا الاهم في المهم حيث کرسوا جميع طاقاتهم وقدراتهم بين قوسين المجال السياسي البحت من حيث لم تکن لهم اولويات وبرنامج للنشاط والتحرک في شتی المجالات فنسوا جميع المبادي وهرولوا وراء التفاصيل دون علم بالمبادي التي تعتمد عليها الکثير من المجتمعات من اجل بناء مستقبل يلبي طموحاتهم ان کانت معيشية ام سياسية أم ثقافية أم إجتماعية و نعني بذلک الکثير من المشاکل الموجودة ومنها الغزو الثقافي؛ فانا لا اعرف هل النشاط السياسي باللغات الاجنبية هو اهم من توعية مجتمعنا و خروجه من هذه الدواليب المظلمة فلماذا يريد مثقفونا الالحاح علی البقاء والدوران في حلقة مفرغة و هي اتخاذ هذه المواقف الحادة الثقافية والاقتصار على النشاط السياسي ؛ الم يکن النشاط الثقافي هو الأولى من هذا النشاط المحبب الی الجميع؟

فأين يريد ان يخرج المثقف إن بقي منه شيئ من الاوهام و يلمس الحقيقة؟

اکتفاء النخبة بالشکوی بدلا من البحث عن الحلول: قد تعودت نخبنا للشرح والتنظير فقط وبالأحری الشکوی من الکوارث الاجتماعية بدلا عن المکافحة والمجابهة وفي احسن الاحوال الاکتفاء بکتابة مقالات صحفية وذم الظروف المعيشية و التکلم عن هذا وذاک (أو في أحسن الحالات إنشاء تکتل و من ثم اتخاذ مواقف وحدث ولا حرج)؛ وتستمر هذه النخبة بضرب مطرقة التخلف علی رأس المجتمع حتي يوم الدين من أجل إثبات ان شعبنا متخلف ولا يستوعب کثيرا من الامور ؛ فالجميع يعرف بأن المجتمع الاهوازي هو مجتمع متخلف، مصاب بافات اجتماعية وثقافية و... عديدة ونعرف جيدا المعوقات للنشاط و عرقلة النظام، إذن أين يقع المثقف الأهوازي في هذه الدائرة بصفته مثقفا؛ کيف يريد أن يخرق هذا الجدار الحائل؟ ألم تکن ممارسة الحلول في الظروف الممکنة هي ميزة المثقف کمثقف؟
فوقوف النخبة علي هذا المستوي وعدم حرکتها هو اهم الاسباب التي قد تنتهي الي هذا الرکود الثقافي وعدم الديناميکية إذ انه قد سلبت منه هذه الميزة کمثقف.

بقاء الناشط في اطار معتاد و هو الأخذ من الآخر: قد اعتادت نشطاؤنا علي التقليد البحت من بعض و الدوران في اطار معين و معتاد في أنواع النشاط إن کان سياسيا أو ثقافيا أو...... فأني لاأنکر بل أشجع و أوکد علي المنافسة حيث إنها توثر علی حفظ ديناميکية المثقف وطبعا هذا امر ممتاز و لکن قد يحدث ذلک إذا تنافس المثقفون علی الإ بداع و ليس بالأخذ من الاخر والبقاء في إطار واحد ؛ فقد نسی الناشط الاهوازي صفته کمبدع أعنی الابداع في الفکر والعمل و کيفية التعامل مع مشكلات المجتمع في ظل الظروف الراهنة والتخلي عن ممارسة الممکن بححج تافهة و منها انه لا توجد حلول في الحالة الراهنة و ان التوترات السياسية الاخيرة في ايران قد قضت علی جميع الطرق للنشاط الثقافي فمع الاسف تاثر المثقف الاهوازي بهذه الظاهرة حيث اذا اصبح احدنا شاعرا اصبح الجميع شعراء واذا اصبح احدنا کاتبا اصبح الجميع کتابا و واذا خرج احدنا الي الخارج خرج الاخرون وراءه واذا اصبح احدنا سياسيا فالاخرون لا يصبحون سياسيين فقط بل يطمحون لان يکونوا قياديين و........لا شک ان الولوج في اطار معتاد لمدة طويلة قد يتعب الانسان اجلا ام عاجلا، و ذلک کما اشرت ان الدوران في دوائر ضيقة لا يقود الي التقدم نحو الامام .

افتقادنا للتفاعل الفکري اي الحلقة الفارغة بين المثقف والمجتمع : و قدنوقش هذا الامر علي حد ذاته في مقال تستطيعون قراءته علي الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=125527

فلقد نوقشت اهم العوامل التي سببت بالرکود الثقافي في المجتمع الاهوازي وما اکثر الترابط بين هذه العوامل واتمني ان يتامل مثقفو الاهواز في هذه الاسباب وهي باختصار : اتخاذ الناشط الاهوازي مواقف ثقافية حادة، وهروب النخبة المعنية بالامر المتزايد من الواقع المرير الی الخارج، واکتفاء النخبة بالشکوی بدلا من البحث عن الحلول، وولوج النخبة في اطار معتاد و هو الاخذ من الاخر، ثم حصر الانشطة في النشاط السياسي البحت، فعسي ان يکون ذلک فتح باب النقاش والتحليل والدراسة في ثنايا مشاکل مجتمعنا الاهوازي ومحاولة إيجاد حلولها و خاصة في ظل الظروف المستقبلية
ونذکر هنا باهم ما يواجهه المجتمع الاهوازي وهي مشکلة العقليات والامية المنتشرة، الادمان، التخلف، اضطهاد المرأة والجهل المفرط في ضرورة رفع المستوی الثقافي ومن ثم ذلك المستوی المعيشي؛ فهذه المشاکل البنيوية قد تاخذ سنين طويلة حتی الاصلاح؛ فقد احتلت افة الادمان هيکل هذا المجتمع قبل کل شي و باتت تنهکها الامية يوما بعد يوم حتی أصبح تحت رحمه ظاهرة الغزو الثقافي وتفتيت الهوية التي نهشت عظامه الهشة.
فاليأس من معالجة هذه الظروف والاستسلام لها في السنوات الاخيرة وتبريرها بامور تافهة لن يرفع هذه الکوارث السائدة في الاهواز ؛ فعسی ان تكون هذه الغفوة الثقافية قيلولة قصيرة في نهار صيفي وليست رقدة طويلة في ليلية شتوية باردة!

المصدر: الحوار المتمدن